دراسات في الشعر المعاصر مجلة الفن اليوم

   اذا كان الادب العربي يمثل الحياة الدائمة  للغة العربية

  فإن الشعر يمثل   روح   هذه   اللغة  منذ  طفولتها الى  يومنا  هذا وسيستمر الرافد   الاعظم  والاسمى  في  رقيها  وشموخها  وازدهارها   فيشع  سناءا   متقدا  منورا  مسالك  ومواطن هذا الارتقاء  نحو الكمال  في   جمالية  منبعثة   من   خلال  الحرف العربي  ويصب  عميقا  في بحر  اللغة العربية   ليتحفها  بمنابع الندى   المشرق   ويجري    في عمق   بلاغتها  وبيانها   ومن خلال  رشاقة  كلماتها  واشتقاقيتها  بعضها  من  بعض    فتكتمل حلتها  القشيبة  من   خلال  قصائد  العمود  الشعري او قصيدة التفعلية الحرة او  من خلال  قصائد النثر المعاصرة والتي تعتبر في دور البناء والتطويرعلى ايدي الشعراء الشباب .

     ومن هنا ولغرض دفع عجلة  تقدم ورقي هذه اللغة الشاعرة –  لغتنا العربية – نحو   الشموخ  والازدهار  وبغية  انبعاث  الشعر  وخاصة  قصيدة النثر  الجديدة   والاخذ   بايدي  الشعراء  الشباب  ممن  يكتبون  فيها  قصائدهم  الى  شاطيء  الامان  والسلامة  اللغوية  والبلاغية  والشعرية  في  اسمى  صورها    الر ائعة  لذا اقدمت  على  كتابة  هذه   الدراسة  التي  ربما  يراها    المتلقي  متباعدة   في  مواضيعها  ودراساتها   وهي  في  الحقيقة  تصب في  اخر الامر في  مصب واحد هو  الشعر العربي .

           فقد  كتبت  عن  اهمية  الشعر  ومفهوميته  كشعر  قد يعبر عما  في  خوالج  النفس   العربية  ومكا منها  والهاماته الكثيرة  ثم  كتبت  في  العروض  الذي  هو ميزان  الذهب  في شعرالعرب  وكتبت في الفنون الشعرية  قديما  وحديثا  والحداثة واساليبها  واثرها  التي  تنبع  من   بحر  القدم   وتشع  من  خلاله  على   محدثات  الامور  سناءها    وكتبت   ايضا   في   بعض       ا نواع  الشعر –  الذي  لم  يكتب  به   الاخرون  الا   قليلا–   مثل  المعارضات  والمطارحات   والمطاردات   الشعرية    وكتبت  في  قصيدة    النثر  وهو   الاغلب   والاكثر:

      في  اهميتها  وطبيعتها  وسيكولوجيتها  وبنائها  وجماليتها  و رمزيتها   وابهامها    وغموضها    وايقاعاتها    وموسيقاها ونغميتها    وملاءمتها  للعصر  وطموحاتها    نحو المستقبل .

  واهيب  باساطين  اللغة  و ذوي  الكلمة  المشرقة   من ادباء وشعراء  ونقاد  وكتاب  ابداء  آ رائهم  فيما  كتبت  ومقترحاتهم الهادفة   لتحقيق  ما  نرجو  اليه   من  طموح.

   اهمية الشعر المعاصر

           الشعر العربي   منذ  ان  وجد على  الارض  العربية  وقالوه الشعراء  وتغنوا  به  شق  له  طريقا  واسعا  من الريادة  وكانت  له  الاولوية  في  تمثيل  الحياة   العربية  في  جزيرة  العرب  او في  كل البلدان  التي  تكلمت  اللغة  العربية  في  ظل  الاسلام   بعد   انتشاره  على  ايدى المسلمين  الذين  يعتبرون  العرب  نواة  الحركة الاسلامية  في  تطورها وشموخها .

       فللشعر كان  دوره البارز والكبير  في حياة  الامة  العربية  وإن لم تبق  له تلك  المساحة  التي  كان  يحتلها في عصوره المتقدمة  وذلك  لأن  العرب  بتطور  حياتهم   تخلوا  عن  الشعر أو  أن الشعر  لم  يعد ممتعا   لهم  كما  كان  في العهود  الماضية  وذلك  بسبب تغيير  ظروف الحياة  وما  الت  اليه  الحياة  وتطوراتها  ومدياتها  وسبل  ايجاد  متعة افضل  منه  للنفوس  العربية  الا  بعضا  منهم  وهم الشعراء  ومستسيغوا الشعر  والكلمة  الفاضلة    حيث  دخلت  إلى حياتنا  أمور  كثيرة   قللت  من  اهمية  الشعر  وضيقت  مساحته  على ساحة  الحياة  الواسعة  والتي قلصتها  كثيرا .

          كان  العرب  في   الجاهلية  يقضون  اوقاتهم  في  السعي   في  طلب  الرزق  ورعي  انعامهم   وابلهم  نهارا  اما  في الليل  فيتجمعون  للتسامر والتحدث  والاستماع  للشعر باعتباره  الفن الوحيد  الذي كان سائدا  في  بلادهم  تقريبا  لذا  فقد  كان العرب  يعلمون  أولادهم الشعر وحفظه  وقولهم له  اضافة  الى  تعليمهم  الأنساب  لاعتزاز  العرب  بانسابهم  وهي  الامة  الوحيدة  من  بين  الامم  العالمية  التي لا زالت تحتفظ   بانسابها   لحد  الان  وكذلك    وأخبار العرب.

          اما عند  مجيئ  الإسلام  فقد أصبحوا  يعلمونهم  ايات  القرآن الكريم  والأحاديث  النبوية  وحفظها  فكان العرب في مجالسهم يحفظون ايات القران الكريم  ويتداولون  في  معانيها   وتفسيرها   وكذلك  الاحاديث  النبوية . لذا عزفوا عن الشعر .

          اما في العصر  الاموي  وما بعده  من العصور  فقد  اهتم العرب باللغة  العربية  واسسها  فأخذوا  يتعلمون   و يعلمون  اولادهم : النحو  والصرف والبلاغة  والبيان  والشعر  وفنونه   التي كثرت  والعروض وبعض  العلوم  المستحدثة  كالريا ضيات  والفلسفة  والطب وغيرها  .

            اما  في الوقت الحاضر  فنتعلم كل  العلوم التي ترتاح اليها نفسية أي منا  سواء  كانت علمية  بحتة او  فنية  كالشعر  او الموسيقى   ونعلم  ابناءنا  كل  العلوم  الفنية  والتطبيقية  والعلمية  البحتة   مثل الكيماء  والفيزياء   والمراسلات  والحاسوب  والضرب على الحاسوب والبث  والنشر او الاستقبال  من  خلاله  او  نعلمهم  العلوم  التي  يرغبون تعلمها .

        بعد انهاء  المراحل  الدراسية الاولية  وقد  تظهر  طفرات نوعية في الحياة  الثقافية  وتجديد ها   تبعا  لتطورالحياة  مع مرورالزمن  وما  يخبؤه  هذا  الزمن  المستحدث من  علوم وفنون ربما  لم نرها  او نسمع بها  لحد  الان   ولا نعرف ماذا  يخبئ لنا  المستقبل  في  تقدم  لكل  هذه العلوم  والابحاث  وقد  تصبح  الاجيال  القادمة  غير قانعة  بما نحن رضينا   فيه  من الفنون  والعلوم  وشموليتها   وتشعبها  الواسع  وما استحدث  منها  ويستحدث مع مرور الزمن  الاتي   .

      ومن المعلوم  أن الشعر لم يعد الفن الوحيد الذي يستمتع به الناس في الوقت الحاضر  فهناك الكثير من  الفنون المختلفة  والعلوم الكثيرة  مثل السينما والمسرح  و التلفزيون   وكذلك  المطالعة   مثل  القصص والروايات والخاطرة  والمقالة  وكل هذه الامور  تدخل في اضعاف اهمية الشعر وتوزيع  ساحة  المتعة بين الناس  بحيث اصبحت فرص التمتع والمؤانسة كثيرة  حيث لم يبق  للشعر الحصة الواسعة  التي  كان يحتلها   في الماضي  وهذه  الامور  طبيعية   فاذا  تشعبت   وكثرة   روافد المتعة النفسية في  عدة امور  فالناس تتوزع عليها كل حسبما يشعر به ازاء هذه الحالة او الفن  و كل حسب رغبته وما ترتاح اليه هذه النفوس .

         واستطيع القول ا ن  الشعر  بحد  ذاته  قد  تطور  و اصبح  اشكالا عدة في العالم العربي فاذا كان الشعر العمودي هو الاساس  والمرجع  فقد واستحدث الشعرالحر  وهو  شعر موزون حر سمي  شعر التفعيلة  تحرر  من القافية حيث  ينظم على  بحور  ثابتة  في تفعيلة  معينة  وقد حددت  هذه  البحور  بسبعة  بحور هي  البحور  الحر ة والمتكونة من تفعبية واحدة  مكررة في السطر الواحد عدة مرات .

            كذلك  وجد  الشعر   المنثور  او  وجدت  قصيدة النثر   وهذه   القصيدة   تكون     مفتوحة  من  دون   تقييد    بالوزن  او  القافية  او  بمعنى  اخر  ان  موسيقاها   تكاد   تكون  تضرب   في   كل الاتجاهات   الفنية   بحيث   اصبح  كل  من  يكتب  كلمات  مرتبة  تحت بعضها  ربما   يقول  أنه  كتب  شعرا  نثريا   فقد   ضاعت  كل  مقاييس الشعر  حيث  ان  للشعر  مقاييس  خاصة   حسب  تذوق   الشاعر   أو المتلقي   الا   ان   هذه     القصائد – قصائد  النثر –  لا  تخلو   من مقطوعات  غاية  في الروعة  والفنية   والجمالية  وفقا  لثقافة  الشاعر وقوة   شاعريته   فالقصيدة    الشعرية  سواء  كانت عمودية  او قصيدة تفعيلة او قصيدة  نثر  فقد  تبقى  حاضرة  ومهمة  ومفضلة  لجماليتها  ولرقتها  او لقربها من قلب المتلقي .

        شعراء   العصر  الحديث   او الشعراء  المعاصرون  انشدوا للحياة العربية  في كل عناصرها   واحتياجاتهم  مرورا  بالشعر  الوطني  او السياسي  الذي انشد  الوطنية  وما  يعتمل  في   نفسية الشاعر او نفسية المتلقي   وغرس  روح المواطنة    وتفعيل  القضية  العربية  وتحرير  الاجزاء  التي لا زالت تحت  ظلم الاستعمار الاجنبي  او الحكام المستبدين  وبعث   القضية  العربية  في  النفوس  والافئدة  وشحذ  الهمم   في هذه القضية  وكثير هم  الشعراء  الذين  كتبوا  او  انشدوا  في  هذه   الامور  تطغى على قصائدهم  الثورية  والوطنية وتحتل المكانة الاولى في الشعر العربي في الوقت الحاضر او المعاصر  وفي المستقبل . وهناك   منها هذه الامو ر يتفرع  شعر  النكبة  والمقول   بها  الشعر الذي  قيل  في  نكبة فلسطين   منذ  بداية  القرن العشرين  وحتى الان  واستطيع  القول  ان  كل الشعراء العرب قالوا في هذه القضية  لقربها من القلوب  والنفوس العربية  المناهضة   للا ستعمار من   ا لغزاة  والطامعين . 

              ولا  نخرج عن  الموضوع  ان قلنا  ان  الشعر  يمثل  الحياة  الانسانية  في هذا  الوقت افضل  تمثيل   وما  يقوله  الشعراء  هو  ما ينفعل في  نفوسهم  و قلوبهم  وقلوب  المتلقين  لهذا الشعر  بمختلف فنونه  فيتاثرون  بما  يقرأون  من شعر بما  في ذلك الغزل او شعرالحب  وهو الاغلب  وياتي من بعده الشعرالسياسي  او شعر  الاحداث اليومية  ولو اطلع احدنا  على  الصحف او  المجلات او  شاشات   التلفاز  او الانترنيت  عبر  النت  او الفيس بك  لشاهد  آلافا من   القصائد العمودية  التي هي  اساسا  للشعر العربي  وقصائد  في  الشعر الحر التي  استحدثت   في  منتصف  القرن  الماضي   وقصائد  في  النثر  او ما يسمى – الشعر المنثور – والتي وجدت في  نهاية  القرن العشرين وبالتحديد  في  الثمانينات  من هذا  القرن  والتي  انتشرت  انتشارا واسعا   لسهولة  نظم  القصيدة   بسبب تخلصها  من  الوزن  والقافية  او  البحر والموسيقى  الشعرية  في  السنوات  الاخيرة  بين الشعراء  الشباب واخذ يكتب فيها كل من هب ود ب   ويسمي   نفسه  شاعرا  وخاصة  بعد ظهور  وسائل  الاعلام  المرئية  ووسائل النشر السريعة  وكثرتها .

  ومن هنا يتضح اهميةالشعر المعاصر   من انه  شغل مسافات  واسعة  ومستحدثة  من  اهتمامات  الشباب   سواء  الكتاب او المتلقين  ومن  بين  هذه  النتاجات  وجدت  نتاجات  ذات  قيمة   ادبية  عالية  لشعراء  هم   قمة   في الانتاج   الشعري  كمثل  الشاعر  بدر شاكر السياب  ونازك الملائكة   وصلاح   عبد الصبو ر وامل دنقل  في الشعر الحر و  نزار  قباني  محمود  دورويش  وفالح  الحجية  وسعاد الصباح وغيرهم الذين  جمعوا  بين  الحداثة   والمعاصرة   وجملة  من شعراء  المعاصرة  اذكر منهم :   محمد الحافظ  ووهاب شريف  واكرام الجنابي وكريم مرزة الاسدي  من العراق   وفوزية العلوي  من تونس   ونعيمة خليفي  وعبد العاطي  وفوزية  امين  وفاطمة المنصوري  من المغرب واسماء  صقر القاسمي  من الامارات  ولطفي الياسيني من فلسطين  و غيرهم   كثير في  كل الاقطار العربية  ممن برزت   ادواتهم   الفنية   ظاهرة   بينة  وتأثروا  بما حولهم  وربما  بالثقافا ت  الاجنبية  وتأثر  بعضهم   ببعض   ثقافيا  وادبيا وحضاريا. ممن  تجد  في  شعرهم  مسحة  من  الجمال  والخيال  ورسم الصور الشعرية  الر ائعة  التي  هي أهم عناصر القصيدة الشعرية  مهما  كان نوعها  وهذا  هو الشعر  الذي  يحمل  في   طياته   أكثر  المضامين الإنسانية  روعة   وجمالا  وائتلاقا .