“Loving Vincent” كمثل سيرة ذاتية لرجل وحيد في حقل القمح

“لا أعلم أي شيء على وجه اليقين، لكن رؤية النجوم تدفعني إلى الحلم”- فنسنت فان جوخ

“سوف تسمع أقوالًا متضاربة، وسيدلي كل رجل بما يؤكد أنه الحق بينما ينطق عن هواه”- نجيب محفوظ، من روايته (العائش في الحقيقة)

في الحلم الخامس المعنون باسم (الغربان) ضمن أحداث فيلم Dreams للمخرج الياباني الراحل أكيرا كوروساوا، يتأمل أحد طلبة الفنون الجميلة اليابانيين إحدى أعمال الفنان الهولندي فنسنت فان جوخ، وإذ فجأة يدلف داخل اللوحة نفسها ويقابل فان جوخ بشخصه، يشاهده وهو يرسم، ثم يتبادل معه حوارًا مقتضبًا وقصيرًا جدًا حول سبب عدم وجود أذنه، فيرد عليه بأن أذنه كانت بمثابة مشكلة له خلال رسمه لبورتريه شخصي له، وينتهي الحوار بغتة، ويغادر فان جوخ البقعة التي تمركز فيها للرسم، فيحاول الطالب الياباني تتبع مساره، فإذا به يفقد طريقه وهو يبحث عنه داخل لوحاته الواحدة بعد اﻵخرى دون العثور على أثر له، حتى يراه سائرًا من بعيد حاملًا معداته والغربان تطير من حوله، وينتهي الحلم بلقطة تحاكي لوحته الشهيرة (حقل القمح مع الغربان).

اللقطة اﻷخيرة من الحلم الخامس في فيلم Dreams+ اللوحة اﻷصلية

وكمثل هذا الطالب الياباني التائه في دروب لوحات فان جوخ، كذلك هو حال آرماند رولين ابن رجل البريد بطل فيلم Loving Vincent ونحن أنفسنا كمشاهدين، الفيلم ليس بسيرة ذاتية بالمعنى المفهوم أو المباشر عن فان جوخ، بل هى محاولة دؤوبة حساسة لصنع ما يشبه السيرة الذاتية له من شذرات شتى لا تجتمع على رواية واحدة لهذه السيرة: من عشرات اللوحات التي خلفها وراءه ولم تحقق له المجد المرجو سوى بعد وفاته، ومقتطفات من رسائله اليومية لشقيقه ثيو، وشهادات عدة من شتى من اقتربوا منه طيلة حياته قد تتفق حينًا وتتضارب حينًا على التفاصيل، لتغدو ناتج كل هذا متاهة، متاهة حقيقية نتوه فيها كثيرًا وقد لا نهتدي فيها سوى لبصيص ضوء شاحب لا نراه سوى بالارتحال في قلب هذه المتاهة.

ومن أجل حبك هذه المتاهة، أدرك صناع هذا الفيلم من البداية أنه لا يمكن الرهان في هذا الفيلم فقط على كونه مجرد فيلم مرسوم يدويًا بالكامل على نحو يحاكي أسلوب وضربات فرشاة فان جوخ، أو الرهان فقط على مجرد استحضار تفاصيل عدة عن حياة فان جوخ، الرهان اﻷصعب هو اﻹطار البصري والقصصي الذي تنتظم فيه هذه المتاهة المتشابكة لحكاية تحاول الوصول ﻷقرب صياغة للحقيقة، وليس الحقيقة ذاتها التي تصير في هذا الفيلم هدفًا يٌسعى إليه ولا يدرك في ذات الوقت.

يضع المخرجان ﻷجل البنية الهيكلية والشكلية لفيلمهما ثنائية شديدة التمايز والوضوح دون أن تحمل أدنى لبس: ثنائية تتردد طوال الوقت بين حياة فان جوخ الفعلية التي نراها طوال وقت الفيلم نفسها منحصرة لونيًا في ثنائية اﻷبيض واﻷسود، وبين الحياة بعد رحيل فان جوخ والتي تترجم على الشاشة بصريًا باﻷلوان الكاملة وبنفس اﻷسلوب الرسومي المميز لفان جوخ، ومع استخدام العديد من اللوحات الشهيرة له كمداخل لذلك العالم الذي رسمه فان جوخ ولم يُدرك -مع اﻷسف- من الجميع سوى بأثر رجعي.

لكن ذلك التمايز الشكلي واللوني الذي يشكل ثنائية واضحة لا يعني أنه لا تقوم بينهما أية علاقة تبادلية أو أنهما منفصلان بالكلية، فمع الحصار اللوني الذي عانته حياة فان جوخ ومحدودية أفقها اللوني، إلا أن فنه لم يكن كذلك، فهو لم يكن نقلًا مباشرًا مصمتًا لما يراه فحسب، بل يشتبك فيما يرسمه ما يراه وما يشعر به تجاه ما يراه أو ما كان يشعر به نفسه لحظة العمل على اللوحة الجديدة، أو كما قال من قبل على لسانه: “أحلم بما أرسم، وأرسم بما أحلم”.

إذن، إنطلاق الفيلم طوال الوقت من رسوم فان جوخ واستخدامها كمداخل بصرية (كمثل افتتاحية الفيلم بلوحة Starry Night الشهيرة) يعمل على إعادة تركيب العالم الذي عاشه فان جوخ من جديد بنفس الطريقة التي رآها بها، ووضع كل قطعة فنية من لوحاته في محلها يساعد أكثر على الاقتراب خطوات أكبر مما أراد فان جوخ أن يقوله ويعبر عنه ويحاول التواصل به مع جمهور أكبر لم يرغب في لوحاته ولم يتمتع بالذائقة التي تستطيع هضم مفرداتها البصرية او الاتصال به مما ضاعف بالتأكيد من إحساسه بالوحدة أكثر من ذي قبل.

وما يبدو في البدء أنه مجرد مهمة روتينية يقوم بها الابن آرماند رولين ﻷجل خاطر والده وخاطر صديقه الفنان الراحل الذي لم يختلط به كثيرًا ولا يتذكر عنه سوى واقعة قطع أذنه الشهيرة إلى شيء آخر يخالف تمامًا ما تخيله، فإذ به يصير أمام لغز إنساني يدور أغلبه حول حقيقة ما حدث في اﻷيام اﻷخيرة لفان جوخ، وهل انتحر أم قتل، وكيف تحول في ظل أسابيع قليلة من حالة السعادة البادية إلى التعاسة الغامرة.

ومع بقاء ابن ساعي البريد كبطل ثابت، تتم إحالته مع تعقد الصورة العامة من شخص لشخص، ومن رواية ﻵخرى، ومن وجهة نظر لنقيضتها، وتخرج معها كل الشذرات المتناثرة من لوحات ورسائل وشهادات ﻷشخاص مختلفين سعيًا للوصول إلى حقيقة غير مكتملة وفائقة النسبية، خاصة مع تفاوت درجة القرب من فان جوخ من شخص ﻵخر.

وعبر جميع هذه الشذرات، نلمس أزمة فان جوخ الكبرى: الوحدة، الوحدة بالمفهوم اﻷشمل واﻷكبر لها، فهو الفنان غير المُقدر وغير المتحقق على أرض الواقع الذي لا يرغب أحد في شراء لوحاته، الرجل الذي لم يفلح في معايشة قصة حب بالمعنى المفهوم ولم يحالفه الحظ مع النساء، واﻷب ﻷبناء لم يأتوا أبدًا، والمنبوذ الذي يقذفه اﻷطفال بالحجارة، والذهاني الذي لم يدرك سبيلًا معروفًا ومُعبدًا للتواصل مع العالم، والابن الذي لم ينل الاعتراف من أمه.

هل يكمن في كل هذا سببًا لنزوعه في بعض الأحيان للعدائية في التعامل وعدائيته في اﻷساس نحو نفسه ونظرته الدونية طوال الوقت لنفسه والتي ربما تكون قد تضافرت مع بقية العوامل ﻹنهاء حياته بنفسه حسب ما روى عنه؟ هل لا زلنا مع كل هذا بعيدين عن فان جوخ الحقيقي، ونراه كالطالب الياباني في فيلم Dreams، رجل وحيد يسير بعيدًا في حقل القمح ساعين دون إدراك أو وصول وراء حكايته؟