"طرس.. رحلة الصعود إلى المرئي".. أو كيف تخلق لغة سينمائية من أدوات محدودة؟

رحلة في الماضي يأخذنا فيها المخرج عبر النبش في جدران بيروت

وفقًا لمعجم لسان العرب الطِّرْسُ هي الصحيفة التي مُحيت ثم كتبت، توضيح لا بد منه ونحن بصدد الحديث عن فيلم يحمل المفردة غير الشائعة في عنوانه الذي يُكمل بغرابته فرادة واحد من أذكى الأفلام العربية التي عُرضت خلال عام 2018 وأكثرها قدرة على التأثير. الفيلم هو “طرس.. رحلة الصعود إلى المرئي”، فيلم المخرج اللبناني غسّان حلواني، والذي فاز قبل أيام بجائزة أحسن إسهام فني في أسبوع النقاد الدولي بمهرجان القاهرة السينمائي، بعد أن نال التانيت البرونزي من أيام قرطاج السينمائية وتنويه خاص من مهرجان لوكارنو الذي استضاف العرض العالمي الأول للفيلم.

الفيلم لم يتوقف إذن منذ أن عُرض للمرة الأولى عن إثارة الانتباه بل ونيل تقدير لجان التحكيم المختلفة في كل مكان عُرض فيه، وهو أمر يُحسب بالتأكيد للمخرج الشاب الذي ربما لم يكن يتصور وهو يصنع فيلمًا صغيرًا بالغ الخصوصية أن يكون الناتج قادرًا على عبور الثقافات والتواصل مع الجميع بهذا النجاح، لكنها طبيعة الفن الصادق والأصيل في كل مكان.
الحديث عن الأصالة هنا ليس من باب المبالغة أو الإفراط في المدح، لكنها حقيقة تتمثل في قدرة حلواني على تطويع أفعال غير سينمائية في صورتها المجردة، وتحويل دفتها لتغدو قادرة على أخذ المشاهد في رحلة بصرية ونفسية يُصاحب فيها المخرج خلال سعيه “الدون كيشوتي” في إعادة الاعتبار ـ ولو رمزيًا ـ للآلاف من مفقودي الحرب الأهلية اللبنانية الذين يحاول الفيلم ـ حسب العنوان ـ أن يتغلب على “محوهم” ويعيد رسمهم كي “يصعد بهم إلى المرئي”.

لا أحياء ولا أموات

في أحد التتابعات المركبة بصريًا وصوتيًا يستخدم المخرج صوت أحد القادة اللبنانيين وهو يقول أن تقدير عدد مفقودي الحرب بـ17 ألف شخص هو أمر مبالغ فيه، فالرقم المرصود لا يتجاوز ال2500 شخص، قبل أن يبدأ ـ كعادة كل ما هو لبناني ـ في تقسيم هذا العدد بين الطوائف. لا يتوقف حلواني طويلًا عند التصريح، لكن كل ما في فيلمه يوحي بعبثية النظر لحيوات البشر بهذا التقدير الكمّي، فحتى لو كان تقدير القائد صحيحًا، هل يجعل ذلك من اختفاء أكثر من ألفي إنسان للأبد دون أن يُعرف مصيرهم أو حتى يملك أحد حق التحقيق فيما جرى لهم بغية محاسبة المسؤول أمرًا هينًا لا يجب اعتباره قضية كبرى؟!

ما يفعله غسان حلواني هو النقيض تمامًا: يهتم بكل شخص على حدة، كل وجه من آلاف الوجوه التي طُبعت ولُصقت على حوائط بيروت، ثم تُركت ليمحوها الزمن وتتراكم الملصقات الإعلانية فوقها، كل وجه هو لإنسان كان لديه حياة ومشاعر وأهل وأحلام وطموح، إنسان يستحق أن يجد من يتوقف عنده ويتعامل بجدية مع اختفائه كقضية كبرى، لا مجرد خسارة جانبية ينبغي طويّ صفحتها والتجاوز عنها تحت شعار المصالحة الوطنية والحفاظ على السلم العام.

المخرج، ووالده أحد المفقودين كما نعرف لاحقًا خلال الفيلم، يواجه المحو بالنبش والإحياء، يزيل الطبقات المتتالية من الملصقات الدعائية على جدران المدينة ليخوض رحلة في الماضي وصولًا للوجوه الذي يتظاهر الجميع بنسيانها، وجوه أشخاص رحلوا عن عالم الأحياء منذ سنوات لكن الدولة لم تمنح ذويهم إفادات بالوفاة، فظلوا في السجلات أحياء وفي الحياة أموات، وكأنهم شخصيات أسطورية تسبح في برزخ لم يختر أي منهم أن يدخله.

رحلة على الجدران

فعل إزالة الدعايات بحثًا عن تنويهات المفقودين يبدو للوهلة الأولى مملًا، غير سينمائي، فمن ذا الذي يريد أن يشاهد عملية يدوية رتيبة قد لا تسفر عن شيء؟ مثلها مثل التنقل بين مئات الوجوه التي لا يعرف المشاهد عنها شيئاً، والتي “لا يحمل أي منها معنى بشكل مفرد بينما صار جمعها معًا أيقونة” كما يذكر المخرج. لكن الفيلم يأتي بنتائج مخالفة للتوقعات.
ما يحدث في “طرس.. رحلة الصعود إلى المرئي” أن المخرج ينجح في تهيئة الجو العام للمشاهدة، بتوريط الجمهور مبكرًا في هدف البحث، وضبط إيقاعه بحيث لا ينفر من فعل تنقيب الجدران بل يشارك المخرج رحلته الشيقة نحو الماضي. هكذا يصير لأفعال المخرج الرتيبة أثرًا تنويميًا، لا نشعر معه بمرور الوقت ونحن نتابع قيامه بإزالة ملصق تلو الآخر، مستمتعين بلذة اكتشاف ذاكرة مدينة من خلال مدخل ناهيك عن كونه غير مألوف فهو صادق، غير قابل للتزوير، فحتى لو حمل كل ملصق وقت إصداره بعض المبالغة الدعائية، فإن التوالي من الحاضر إلى الماضي يمكنه أن يكشف بجلاء، دون كلمات، أحد أوجه الحقيقة.

نقول إنه أحد أوجه الحقيقة لأن الفيلم ـ وهي أحد نقاط قوته ـ لا يتوقف ولو لحظة عن الطوائف والمعسكرات، لا يحاسب الماضي أو يصدر أي أحكام، لا يحاول حتى أن يخبرنا عن والد المخرج الذي نعرف اختفائه بشكل عارض. كل ما يسعى إليه غسان حلواني في عمله البديع هو التأكيد على أن إهالة التراب فوق الجرائم لا يكفي لإلغائها أو تقليل هولها، وأن “المصالحة الوطنية” لا يمكن أن تتم بين بشر يمرون يوميًا “فوق مقبرتين جماعيتين أو ثلاث حسب الطريق الذي يختاره كل منهم”!

“طرس.. رحلة الصعود إلى المرئي” تجربة فيلمية شديدة الخصوصية، يخلق صانعها أسلوبه السردي من داخل موضوعه وأدواته المحدودة نظريًا، ويطور مزيجًا سمعيًا بصريًا آسرًا على بساطته، ليطرح قضية سياسية وتاريخية دون أي قبضات مرفوعة، بل بلغة سينمائية صرفة، قادرة على التواصل مع المشاهدين في أي مكان، لغة يرجع لها الفضل في هذا النجاح الذي يستمر الفيلم في تحقيقه منذ عرضه الأول وحتى يومنا هذا.

تم نشر المقال في جريدة القاهرة.