"Beautiful Boy": حكاية عالمية عن أبٍ ينفطر قلبه على ولده

تحذير: المقال في نصفه الثاني يحتوي على حرقًا للأحداث.

أتعلمون هذا الشعور حينما تشاهدون فيلمًا رائعًا للغاية وكنتم لتتمنوا أن يتدارك سلبياته القليلة ﻷنه -برأيكم- لو فعل، لكان سيصبح فيلمًا عظيمًا للغاية؟ هذا هو الشعور الذي خرجت به بعد مشاهدة فيلم المخرج البلجيكي فليكس ڤان جروينيجين (Beautiful Boy).

الفيلم يحكي عن علاقة أب بابنه الذي وجد من المخدرات ملاذًا لحياته؛ “نِك” (تيموثي شالاميت) هو شاب ذكي متفوق في دراسته، وقع في حفرة اﻹدمان نتيجةً لاكتشافاته الصِبيانية بفترة المراهقة، و”دايڤيد شيف” (ستيف كاريل) هو أب لا يحتاج لشرح لشخصيته، فيكفي القول أنه “أب” كحال أيُّ أب في أي مكان بالعالَم؛ يحب أبنائه، يخشى عليهم من أصغر اﻷشياء، ويتمنى لهم السعادة والعيش بأطيب حالٍ طوال حياتهم.

هذا الفيلم غني بالتفاصيل واﻷشياء التي يمكن فتح مواضيع كاملة عنها، هو فعلًا مهتم بالتميُّز البصري واﻷسلوبي أولًا، وعلى صعيد التواصل مع المشاهدين، يريد قدر المستطاع منه أن يُقحمهم في صميم القصة حتى يعيشوا تجربةً عاطفيةً مليئةً بالمشاعر عن أب تتقطّع أوصاله وهو يرى ابنه ينهار أمامه بالتدريج.

يُفتَتح الفيلم على صوت مياة شاطئ، نرى بعدها “دايڤيد” يسأل رجل في مكتب للصحافة -دون أن نرى وجهه- عن رغبته بالكتابة عن موضوع ابنه. بداية قوية تعطي لنا رسمًا عن طبيعة القصة، وما سوف يحصل فيها لاحقًا. يبدو على صوت المياة واﻷمواج هنا أنها حالة (بداية) أو ربما (نهاية) لرحلة ما نحن على وشك أن نخوضها. المشهد في بادئ اﻷمر، وبعد أن ننتقل مباشرةً للمشهد الذي يليه بجملة “قبل سنةً من اﻵن”، يبدو كأنه سيكون ذات المشهد الذي سيُنهي به المخرج فيلمه باتّباع سرد خطي لقصةً من هذا النوع تأتي نتائجها كارثية، إلا أنه لا يفعل ذلك. في الواقع المشهد الافتتاحي لم يأتِ ثانيةً بالنهاية، وإنما جاء -وعبر زاوية قصصية مختلفة هذه المرة- في الدقيقة اﻷربعون من الفيلم. نص “لوك دايفس” الذي كتبه مع “ڤان جروينيجين” نفسه يريد ما هو أكثر من مجرد حكي قصة تقليدية عن أب خائف ومضطرب على ابنٍ يجد حياته فجأةً قد تقاذفتها اﻷمواج، بل -وعوضًا عن ذلك- يحاول سبر أغوار العلاقات المعقدة للآباء مع أبنائهم؛ تلك العلاقة التي تتسم بالحب والخوف من اﻵباء، مهما تغيرت الظروف وتبدلت اﻷحوال، ليحاول طرح السؤال: هل فعلًا لا شيء من هذا الحب اﻷزلي من اﻵباء ﻷبنائهم سيتغيّر مهما حَصُلَ؟ هل من الممكن على شخصية أبًا كـ”دايڤيد” واضح عليه البشاشة والطيبة الهائلة أن يتغيّر حبه ومساعدته لابنه؟

السيناريو قوي فعلًا ﻷن حكايةً كهذه تحتاج لسرد مشتت-متنقل يتأرجح بين الماضي والحاضر إذا كانت تريد منا التعاطف والتواصل الشعوري مع حالة اﻷب. فبذات الطريقة العشوائية-اللامنتظمة التي تعمل بها ذاكرتنا، خاصةً حين نكون تحت ضغط هائل -كحال ما يعاني منه “دايفيد” هنا-، يتبنى النص هذا السرد في معظم أوقاته؛ فيأتي علينا بشكل شظايا من الذكريات الجميلة والمؤلمة.

. . . .

المشكلة الحقيقية هنا هي مشكلة تواصل؛ فالنَص يقع في ثغرة ربما لم تُطبَخ منه جيدًا وهي أن هذا الكمّ من العواطف والمشاعر الهائلة التي يبدأ بها الفيلم والتي تصبح مكثفة جدًا في منتصفه، تعطيك حالة من التشبُّع لها، فتصبح النصف ساعة اﻷخيرة مثلًا -وعلى الرغم من قوتها النسبية على الورق- غير مؤثرة على الشاشة. ﻷنك إن كنت ستحكي قصةً مليئة بالمشاعر لا بد من معرفة الطريقة المثلى للتواصل -شعوريًا- مع المتلقي كذلك. النص يبني حكايته ويُصعّد من اﻷحداث تدريجيًا بطريقة أكثر من رائعة في النصف اﻷول ليستحوذ علينا تمامًا، أما بوصوله لمراحله اﻷخيرة، تبدأ هذه الحالة من فقدان الاهتمام بمصير الشخصيات بالظهور؛ ﻷن القصة كانت بالفعل عند نقطةً ما سابقة على النصف ساعة اﻷخيرة، قد قالت -نوعًا ما- كل ما تريد قوله عن هذه العلاقة العائلية. تشعر وكأن المخرج لم يصب اهتمامًا كافيًا على اللحظة التي ستنتهي عندها القصة (والتي حتمًا كانت لتغير النصف ساعة اﻷخيرة كاملةً لا مجرد الحدث الختامي للمستشفى)، والقصة بالفعل تنتهي عند نقطةً ما تجعلك تتسائل: أهذا حقًا كل شيء؟ هذه هي النهاية؟ ماذا سوف يحصل بعد ذلك لعلاقتهما؟!

لكن دعكم من هذه التحفظات على النص، الفيلم متقن ومبهر فعلًا في عناصره السينمائية المختلفة؛ تحديدًا في “المونتاچ” الذي يعتبر البطل اﻷول للفيلم.

فالقطعات مضبوطة جدًا للتعبير عن حالة الفيلم السيكولوجية وليس مجرد ربط مشاهد منفصلة في صورة تتابعات لخدمة القصة. قد لا يعلق بالذاكرة مشاهد كثيرة برع فيها المونتاچ، لكنك ستتذكر أن الفيلم نقل إليك حالة أو (موود) مُعيّن، وهذا لم يأتِ بالتصوير -المبهر أيضًا- ولا بالتمثيل وإنما بالمونتاچ، بالتحديد في مشاهد الـ Over-the-shoulder ومشاهد الانتقال من حدث آني لشيء ما بالطبيعة (شجرة بالخارج، أو صورة بالبيت..). إيقاعٌ لا هو هادئ بطئ ولا سريع، بل مكانه في الوسط بالتمام.

التصوير جاء رائع هو اﻵخر حيث اللقطات الواسعة (Wide Shots) والعامة (Very Long Shots) كامل وقت الفيلم إلا في مراحل قليلة للغاية. الكاميرا تصور الشخصيات من بعيد قدر اﻹمكان، مهتمة بذلك باستعراض المكان المحيط بالشخصية (ومعظمه مساحات خضراء؛ أشجار، غابات، حشائش) تطالبنا بالتأمل قليلًا في عالم هذه العائلة، وحتى وإن جاء مشهدًا يستدعي الانتباه تقترب الكاميرا من الشخصية ببطء شديد لزيادة حالة الـ”تأمل” هذه.

عمد المخرج لاختيار اللون اﻷخضر ليطغى على (شكل الفيلم) في كل المشاهد تقريبًا، مع لون آخر ركز عليه ستجد الشخصيات ترتديه معظم الوقت هو البني.

استخدام اللون اﻷخضر بالفيلم

المؤثرات الصوتية أيضًا لها عامل كبير في إضفاء الحالة المضطربة التي يعاني منها “دايڤيد”. تأمل مثلًا الصوت في المشهد الرائع لتصفحه لكتاب ابنه المليء بالرسومات الغريبة، كذلك مشهد تعرف “نِك” على المخدرات أول مرة في بيت صديقته.

التمثيل عظيم من كلًا من “ستيف كاريل” و”تيموثي شالاميت”.. مباراة تمثيلية بين الاثنين. بالتأكيد كل من شاهد الفيلم سيعلق في ذهنه مشهد الطاولة في الثلث الثاني من الفيلم الذي يستمر ﻷكثر من خمس دقائق: بداية هذا المشهد -كما حال بداية الفيلم نفسه- عبقرية برأيي؛ دايڤيد يتذكر جلوسه مع ابنه في المطعم حين كان لازال طفلًا، قبل أن يأتي الحاضر/نِك ليقطع عليه تفكيره، ويجلسا في ذات البقعة المكانية لكن بوضع معكوس هذه المرة. صورة توضح لنا مدى رغبة وأمنية دايڤيد بأن يسترجع ذكرياته الجميلة مع ابنه الذي قد تغيّر كليًا عن “نِك” القديم، لدرجة أنه لم يعد يعرفه كما يقول دايڤيد في المشهد الاستهلالي، وكما يكرر مجددًا في هذا المشهد “Who Are You?”. تعبير بصري أكثر من رائع عن فترة المراهقة والانجراف للمخدرات سويًا اللذان يُغيّران المرء مائةً وثمانون درجة.


“تيموثي” يثبت أنه ممثل ثقيل ومن أبرز أبناء جيله (مواليد ديسمبر ۱۹۹٥). في كل مشهد يظهر فيه على الشاشة هناك “حضور” كبير منه من الصعب تجنبه، هذا الشاب كارزميّته هائلة. شخصية “نِك” التي قدمها هنا مليئة بالتحديات والتحولات بين الطيش الصبياني الغير مبالي بشيء، والجدية والبكاء بسبب الخوف على المصير. لم يقنعني “تيموثي” بهذه الموهبة الفذة التي تحدث عنها الجميع بفيلم العام قبل الماضي (Call Me by Your Name) صراحةً، لكنه هنا يسيطر على اﻷجواء ويملك الساحة كلها. “ستيف كاريل” يبدع مرة جديدة بتألقه خارج أدوراه الكوميدية المحفوظة. يعيد الكرّة بعد أداءه العظيم قبل أربع سنوات بفيلم المخرج بينيت ميلر اﻷخير (Foxcatcher)، لكنه هنا يأتي عليه لحظات يبالغ في صريخه بشكل “غير مصدق” ربما؟

يقولون أن علاقة اﻵباء بأبنائهم دائمًا صعبة، والابن دائمًا ما يتحدى ويُعانِد أباه الذي يرغب على ابنه أن يكون أفضل من نفسه، وغالبًا ما يدخله بمجال عمله دون ترك مساحةً كافية له باختيار حياته الخاصة. ما أعجبني في هذا الفيلم هو وجود هذه العلاقة المضطربة و”العِناد” رغم أن اﻷب هنا أبعد ما يكون عن ذلك.

. . . .

(Beautiful Boy) هو من أقوى تجارب أفلام عام ۲۰۱۸ بلا تردد، وكان بإمكانه أن يكون أفضل لو اهتم أكثر بالثُلث اﻷخير، وبالنهاية بالتحديد. وهو فيلم كئيب نسبيًا وقاسي للغاية رغم أنه كان من السهل عليه أن يُغرقنا في المأساة ويصبح أكثر قتامة وسوداوية في فصوله اﻷخيرة. يلامس في ذلك برأيي رائعة دارين أرنوفسكي (Requiem for a Dream) لما يمكن أن يؤول إليه الحال بالنسبة للشخص الذي يُدمن الهيروين والمخدرات.

هناك مجهود واضح يحترم من فريق العمل وعلى رأسهم البلجيكي “ڤان جروينيجين”، وهناك تضافر واضح جدًا بين كل عناصر الفيلم (هارموني)، لا شيء أو تفصيلة -حتى أصغرهم- موضوع بلا سبب مؤثر. أعتقد أنه مِن السهل مشاهدة هذا الفيلم وملاحظة كم التحضيرات المدروسة فيه بدايةً من الـ Casting.

لم أشاهِد منذ فترة طويلة فيلم قوي فعلًا يغوص في عالَم “اﻵباء” ونفسياتهم، اﻵن سيكون عنوان هذا الفيلم أول ما يتبادر على ذهني حين أفكر بالموضوع، وأتشوق لمشاهدة أفلام “فليكس ڤان جروينيجين” السابقة.