الإنهاك الحراري.. إصابة يعالجها الإسعاف الأوّلي

تحقيق: راندا جرجس

يعتبر الإنهاك الحراري حالة مرضية تصيب الشخص في حال تعرضه لأشعة الشمس شديدة الحرارة لفترات طويلة، والمتعارف عليها باسم «ضربة الشمس»، التي تشتمل أعراضها الأولى على ارتفاع درجة حرارة الجسم ما ينتج عنه، التعرق بغزارة والنبض السريع، ويصنف الإنهاك الحراري ضمن الإصابات الخطيرة التي تحتاج إلى التدخل الفوري بالإسعافات الأولية، حتى لا يتطور الأمر ويُشكل تهديداً على حياة المصاب، حيث إن هذه الإصابة تحدث نتيجة فشل المركز المنظم للحرارة بالمخ، وفى السطور القادمة يحدثنا الخبراء والاختصاصيون عن أعراض ومضاعفات هذا المرض وكيفية مواجهته والتعامل معه.
تقول الدكتورة آية عقل، طبيبة الأسرة، إن نسب الإصابة بضربات الشمس تزداد في فصل الصيف، حيث تتوالى درجات الحرارة في الارتفاع، وخاصة في معظم الدول العربية، وعلى رأسها منطقة الخليج، التي يتسم مناخها بالحرارة الشديدة والرطوبة العالية، وتعتبر ضربة الشمس حالة طبية خطيرة تصيب رأس الإنسان، ينتج عنها مضاعفات صحية صعبة، وربما تودي بحياته إذا لم يتم إسعافه بشكل سريع، وهى تنجم عن فشل المركز المنظم للحرارة بالمخ، ما يؤدي لظهور بعض الأعراض على المريض مثل: ارتفاع درجة حرارة الجسم بشكل واضح، دون ظهور تعرق على جسده، ووجود احمرار الجلد مع جفاف في مظهره، والشعور بالصداع، الغثيان، الدوخة، والرغبة في التقيؤ في بعض الحالات، وكذلك الضعف العام في عضلات الجسم، هبوط مفاجئ وربّما فقدان الوعي، سرعة وعمق في عملية التنفس، تسارع ملحوظ في دقات القلب، وحدوث تشنجات عضلية أحياناً.

تحذير

تحذر د. آية من التعامل مع الإنهاك الحراري ببطء، حيث إنه يجب الإسراع في عدد من الإسعافات الأولية لتأمين سلامة المصاب، إلى أن يُعرض على الطبيب المختص، وتتمثل في:
– نقل الشخص المصاب بضربة الشمس إلى مكان أقل حرارة بسرعة.
– خلع ملابس المصاب لتبريد جسده.
– استلقاء المريض على ظهره مع رفع الرأس والكتفين قليلاً عن مستوى الجسم.
– إذا كان في وعيه، يتم إعطاؤه ماءً مبرداً أو مشروباً مثلّجاً لخفض حرارة الجسم، مع ضرورة تجنب شرب المنبهات والمشروبات الساخنة، أما إذا كان فاقد الوعي فيجب رش ماءٍ بارد على وجهه وكامل جسمه، أو مسح جميع أجزاء الجسم بالكمّادات الباردة، مع الإسراع في نقله إلى المستشفى لمتابعة حالته مع مراعاة تكييف الجو بهواء بارد أثناء عملية النقل.
تستكمل: هناك بعض الاختبارات التي يجب أن يخضع لها المريض لتشخيص الإصابة بضربة الشمس، تشتمل على:
اختبار الدم لفحص الصوديوم، أو البوتاسيوم، ومحتوى الغازات في الدم، لمعرفة إذا كان هناك ضرر بالجهاز العصبي المركزي.
اختبار البول، لاكتشاف ما إذا كان لونه داكناً، ما ينبئ عن وجود حالة مرضية ذات صلة بالحرارة، ولفحص وظيفة الكلى التي ربما تتأثر بضربة الشمس.
اختبارات وظيفة العضلات، لاستكشاف الضرر الخطير بالنسيج العضلي (انحلال العضلات المخططة).
اختبارات الأشعة السينية وغيرها، لفحص الضرر بالأعضاء الداخلية.

المضاعفات

تؤكد الدكتورة خديجة الزرعوني مختص طب الأسرة، أنه في حال إهمال الإسعافات الأولية خلال التعرض للإنهاك الحراري، وأخذ العلاج اللازم يتعرض جسم المصاب إلى صدمة، صعوبة للتنفس، كما تتأثر فيها أعضاؤه الحيوية، وربما يؤدي إلى حدوث مشكلات في الكلى، تشنجات في الأطراف، تكسر العضلات، تجلطات الدم، والإضرار بخلايا الكبد، توقف القلب في الحالات المتقدمة، خاصة وأن الفئة المستهدفة بالإصابة بالإنهاك الحراري هم الأشخاص الذين تتطلب أعمالهم التعرض لأشعة الشمس، وكذلك كبار السن الذين يعانون من أمراض مزمنة، كإصابات القلب، أمراض الجهاز التنفسي وأمراض الكلى.
تضيف: ربما يتعرض الرياضيون للإصابة بالإنهاك الحراري، وخاصة من يتبعون تمارين مكثفة تؤدي إلى الجفاف، وتشنج العضلات الحراري، كما أن الإجهاد الجسدي في موسم الصيف، أو خلال درجات الحرارة المرتفعة، التي تسبب خسارة الأملاح من الجسم خلال التعرق المفرط، ولذلك يُنصح الرياضيون الذين يمارسون التمارين المكثفة اليومية بشرب كمية وافية من السوائل التي تحتوي على أملاح معدنية، وتجنب المشروبات الكحولية أو التي تحتوي على كافيين.

تدابير وقائية

توصي د. خديجة بضرورة الاتصال بالإسعاف فور تعرض الشخص للإنهاك الحراري، ووضعه بعيداً عن الضوء المباشر للشمس أو تحت مظلة، مع إزالة الملابس الثقيلة، ووضع قطعة قماش مبللة بالماء البارد، وإمرارها باستمرار على جسد المصاب، مع توجيه مروحة مثلاً لتبريد الشخص، ووضع قطع من أكياس الثلج منطقة أسفل الإبط، تجنب مشروبات التي تحتوي على الكافيين، متابعة حرارة الشخص المصاب باستمرار والحرص على الوصول لدرجة حرارة أقل من C 38.8 – C 38.3، وللوقاية لمن هم مستهدفون بالإصابة بالإنهاك الحراري، يجب الحرص على شرب السوائل يومياً ما لا يقل عن لترين، تجنب التمارين الرياضية المكثفة، والأسباب المؤدية للجفاف وقت الظهيرة، أو خلال الأيام ذات درجات الحرارة المرتفعة، ارتداء قبعة على الرأس، وتجنب الملابس الثقيلة والضيقة، ويفضل ارتداء ذات الألوان الفاتحة، وكذلك الحرص على إغلاق السيارة عند عدم استخدامها، وعدم ترك الأطفال، كبار السن، أو الحيوانات الأليفة فيها، خلال وقت الظهيرة، أو ساعات الذروة والحرارة المرتفعة.

الماء والأملاح

يشير الدكتور سانجاي بيثانكر، طبيب عام، إلى أن العمال هم أكثر الفئات إصابة بالإنهاك الحراري، حيث إن العمل في مناخ شديد الحرارة يعرّض الأشخاص للكثير من المشكلات المرضية، بسبب فقدان الجسم لجزء كبير من الماء والأملاح عبر التعرق، ويؤدي الإعياء الحراري إلى عجز الجسم على التحكم بدرجة حرارته الداخلية، وتعد فئة العاملين ضمن قطاعات البناء والزراعة والتعدين والصناعات التحويلية، وتنظيفات المساحات العامة الخارجية، والقوات المسلحة والإطفاء، هم المعرضين لأشعة الشمس بشكل متواصل، وخاصة خلال فصل الصيف، ما ينجم عنه الإصابة بالإجهاد الحراري، التي تتراوح أعراضه بين الدرجات الخفيفة التي تتمثل في التعرق الشديد، التعب، الغثيان، التقيؤ، الشحوب، جفاف الفم والجلد، ارتفاع حرارة الجسم، العطش، سرعة ضربات القلب والتنفس السريع، والصداع والدوار، وربما يرافقها أيضاً الاضطراب، الهياج، الخمول عدم التركيز.
يضيف: أما العلامات التي تظهر على الشخص المصاب بالإنهاك الحراري الشديد، فتكون على هيئة تسارع التنفس، الارتباك عند التحدث، السكتة الدماغية الحرارية، التقلصات العضلية في الذراعين والمعدة أو الساقين، النوبات العصبية، وفقدان الوعي. وفي بعض الأحيان يصبح جلد الشخص جافاً وساخناً للغاية، ويتحول إلى لون ضارب إلى الحمرة.

عوامل السلامة

يوضح د. سانجاى عوامل السلامة من الإنهاك الحراري تبدأ من إيضاح الأعراض وشرحها للعمال، كي تتاح لهم فرصة التعرف إلى إشاراتها المبكرة مثل الدوخة والغثيان وجفاف الفم، ويتم ذلك من خلال إجراء ورش عمل للسلامة، وتزويد الموظفين بالمعلومات والمعرفة اللازمة لفهم الأعراض والوقاية من الإجهاد الحراري، ويمكن أيضاً توزيع كتيبات تثقيفية بلغات مختلفة مع استخدام الصور كوسائل توضيح بصرية، وإبلاغ الجهة المشرفة لاتخاذ التدابير اللازمة، كما يجب على أصحاب الشركات توفير المياه في مواقع العمل بشكل استباقي، لحصول العاملين على احتياجاتهم من الماء بسهولة، وتعدّ أهم النصائح في هذا المجال هي «اشرب القليل، بشكل متواصل»، كما يجب وضع ملصقات في مواقع البناء لتذكير العمال بشرب الماء على فترات منتظمة، ومتابعة مكان العمل مع أخصائيي الرعاية الصحية لإجراء اختبارات لقياس مستوى الجفاف لدى كل موظف وتزويدهم بالإرشادات الصحية اللازمة، حيث إن الإصابة بالإنهاك الحراري تستغرق عاماً كاملاً حتى يتمكن الشخص من التعافي كلياً، من تلف الأعضاء الداخلية بسبب ضربات الشمس.

إرشادات ونصائح

ينصح د. سانجاي العمال خلال فترات الاستراحة بالبقاء في أماكن مظللة بعيداً عن أشعة الشمس، والاستفادة من هذا الوقت للاسترخاء وتناول طعام الغداء، وإنعاش أنفسهم بشرب الماء البارد والعصائر، كما يمكنهم أيضاً جدولة جميع الأعمال اليدوية ليتم إنجازها خلال الساعات الأكثر برودة من النهار، بحيث لا يشعرون بالعطش أو جفاف الحلق، ومن المستحسن أن يشربوا الماء على فترات منتظمة أي كل 20 إلى 30 دقيقة خلال نوباتهم لترطيب الجسم، وتجنب المشروبات التي تحتوي على الكافيين مثل الشاي أو القهوة أو المشروبات الغازية، وكذلك عدم تناول كمية كبيرة من السكر والامتناع عن المشروبات الكحولية. ومن المستحسن تناول مكملات الأملاح حسب إرشادات الطبيب أو الصيدلي.
يضيف: أما بالنسبة لملابس العمل في هذا المناخ الحراري، فيجب ارتداء ملابس قطنية خفيفة ومريحة بألوان فاتحة تعكس الحرارة مع غطاء رأس مناسب، مثل قبعة أو خوذة، وكذلك ارتداء النظارات الشمسية وحمل المظلات، واستخدام كريم واقي شمس بدرجة حماية تزيد على 30، لتجنب الإصابة بحروق الشمس أو الأمراض الجلدية.

حالات طبية خاصة

أشارات دراسات مركز مكافحة الأمراض والوقاية منها، في الولايات المتحدة،أن فئة العمال الذين تجاوزت أعمارهم الـ65 عاماً، أو يعانون زيادة الوزن، أو حالات طبية خاصة مثل ارتفاع ضغط الدم أو أمراض القلب، أكثر عرضة لتأثيرات الإجهاد الحراري، ومن المهم ملاحظة أن بعض أنواع الأدوية، مثل أدوية ضغط الدم، ومضادات الذهان ومضادات الاكتئاب تضعف قدرة الإنسان على إفراز العرق، ما يؤدى إلى تعرضهم للإنهاك الحراري أكثر من غيرهم.