«الهستيريا» مرض نفسي يسبب الشلل والعمى

تتعدد المواقف الحياتية التي تمثل ضغوطاً نفسية وعصبية، ويتفاوت تعامل كل شخص معها، كما يختلف تأثير هذه المواقف على الأفراد، فهناك من ينجح في تجاوزها بأقل الخسائر، وهناك من يصاب بسببها ببعض الآلام التي يعالجها الزمن.
ويوجد من يصاب بسبب هذه المواقف بأعراض عضوية، كأن يصاب بالشلل أو العمى أو فقدان الذاكرة أو يفقد القدرة على الكلام، وهو الأمر الذي عرضت له السينما في كثير من أعمالها، وتسمى هذه الحالة بالاضطراب التحولي أو العصاب الهستيري أو الهستيريا التحولية أو الهستيريا.
تعرف هذه الحالة بأنها مرض نفسي عصابي، وذلك لأن الانفعالات المزمنة والصراعات تتحول فيه إلى أعراض جسمية دون الإصابة بمرض عضوي.
وتتسبب الإصابة بهذا العرض في حالة مرضية تؤدي إلى المبالغة في التعبير عن المشاعر الفياضة، أو الخوف الشديد بشكل ربما كان من الصعب على صاحبها التعامل معها بصورة متوازنة.
وتعتبر الهستيريا أحد أساليب العقل الدفاعية، والتي يلجأ إليها العقل البشري في مواجهة المواقف الصعبة، ونتناول في هذا الموضوع مرض الهستيريا بالتفاصيل، مع كشف العوامل والأسباب التي تؤدي إلى الإصابة بهذه المشكلة، ونقدم سبل الوقاية وطرق العلاج التقليدية والحديثة.

خلل حركي وحسي

يعاني الشخص المصاب بالهستيريا من أعراض جسمانية تشبه الاضطرابات العصبية، وتكون في صورة خلل في الحركة والإحساس، ويحدث دون إرادة أو شعور المصاب.
ويكون السبب وراء هذه الأعراض أسباب نفسية، وتعتبر حيلة الغرض منها الهروب من القلق أو موقف مؤلم أو صراع نفسي، وكل ذلك دون إدراك المريض للدافع وراء هذا الأمر.
ويعتبر عدم الإدراك هو العلامة الفارقة بين مريض الهستيريا والمتمارض، ويوجد فرق كذلك بين المرض الجسمي النفسي والهستيريا، وذلك لأن الأعضاء التي يتحكم فيها الجهاز العصبي اللاإرادي هي التي تصاب في حالة المرض الجسمي النفسي.
وتصاب العضلات والحواس على سبيل المثال في حالة الهستيريا، وهي أعضاء يتحكم بها الجهاز العصبي الإرادي.
ويصيب الاضطراب التحولي النساء أكثر من الرجال، ويكون انتشاره في مرحلة الطفولة المتأخرة ومرحلة المراهقة المبكرة كبيرا، ويمكن أن تصاب به أي مرحلة عمرية، كما ينتشر بين الأوساط الأقل اقتصاديا واجتماعيا.

الفصامية والتحولية

يوجد نوعان للهستيريا، الأول الهستيريا الفصامية، ويواجه المريض بسببه صعوبات في الذاكرة والوعي والإدراك لكل ما يدور حوله.
وتعتبر الهستيريا التحولية، وهي النوع الثاني، الأكثر انتشارا، حيث يشكو المريض من آلام وأعراض جسدية ليس لها سبب طبي معروف.
واستخدمت كلمة هستيريا قديما في التعبير عن الحالة الصحية العقلية التي تصيب النساء فقط، وكانت تظهر في شكل شلل جزئي وهلوسة وعصبية زائدة، وغيرت الجمعية الأمريكية لعلم النفس مصطلح الهستيريا في عام 1980 إلى الاضطرابات التحولية.

الضغوط والقلق الشديد

يعترف الباحثون والأخصائيون بأن السبب الحقيقي وراء الإصابة بالهستيريا لا يزال غير معروف، ويمكن أن تؤدي بعض العوامل والأسباب إلى هذا الاضطراب، ومنها بعض الأمراض النفسية والضغوط والقلق الشديد، وذلك مثل الاضطرابات النفسية والعصبية، والاكتئاب والإدمان وانفصام الشخصية والاضطراب ثنائي القطب، واضطرابات الشخصية والخرف والتهيج والتقلبات المزاجية المفاجئة.
وتلعب بعض العوامل غير الطبية دورا في هذه الإصابة، ومن ذلك الاستعداد الشخصي، فيتعرض للإصابة بهذه الحالة الشخصية الهستيرية، وهي تشبه في سلوكياتها سلوكيات الأطفال.
ويعد من سماتها العاطفة الزائدة، والقابلية للإيحاء وتقلب المزاج والسذاجة وسطحية المشاعر، والتمركز حول الذات والأنانية واستدرار العطف ولفت الأنظار، وعدم الاستقرار والاعتماد على الآخرين والاندفاع، وتكثيف الانفعالات وتحويلها إلى أعراض جسمانية.
وتساهم العوامل البيئية في الإصابة بهذا المرض، وذلك مثل التعرض للضغوط والصراعات النفسية بين الغرائز والمعايير الاجتماعية، والفشل في العلاقات العاطفية والتعرض لأي شكل من أشكال الاعتداء والمشاكل الأسرية.
ويمكن أن يكتسب الطفل هذه الحالة من أحد الوالدين صاحب الشخصية الهستيرية، وذلك من خلال ملاحظة استجاباته للضغوط، ويطلق على هذه الحالة النموذج الاجتماعي، ويعجل من ظهور المرض تعرض المصاب لصدمة عنيفة، مثل الفشل الدراسي أو فقدان شخص عزيز أو حادث مروع.

محفزات للأعراض

تبدأ في العادة أعراض الهستيريا نتيجة ظهور محفزات في حياة ومحيط الشخص تدفع أعراض الهستيريا للظهور، ومن هذه المحفزات على سبيل المثال ظهور شخصية تستفز مشاعر الإنسان بصورة مفاجئة، أو حادث قوي يظهر في حياة الشخص. ويؤدي كذلك لظهورها التعرض لخسارة غير متوقعة في العمل، أو نتيجة ادعاءات كاذبة من قبل شخص ما تجاه المصاب، وربما كان وراء ظهورها صدمة نفسية، أو استعادة ذكريات نفسية قديمة.
وتشمل هذه الأعراض الإصابة بالشلل في ذراع أو ساق المصاب، أو فقدان الإبصار أو القدرة على الكلام، وتكون مدة الإصابة بالعرض بسيطة عادة. ويتحسن معظم المصابين الذين يدخلون المستشفى في غضون أسبوعين على الأكثر، وتعاود الحالة حوالي 30% من المصابين خلال عام من الإصابة، والبعض يصبح المرض لديهم مزمناً.

فقدان بعض الحواس

تشمل أعراض الهستيريا أعراضاً حسية مثل العمى والصمم الهستيري، وفقدان بعض الحواس كالسمع والتذوق، وحساسية الجلد في عضو أو أكثر.
وتتضمن أعراضاً عقلية مثل اضطراب الوعي والطفلية الهستيرية، حيث يتصرف المصاب مثل الأطفال، وتظهر بعض الأعراض العامة مع بداية المدرسة أو الامتحانات، وتكون ردود الفعل السلوكية مبالغا فيها للمواقف المختلفة.
ويمكن أن تكون الأعراض على هيئة أعراض جسمية حركية، وفيها يفقد المصاب القدرة على الحركة، إلا أن الأمر يكون مرتبطا بالفشل في الوظيفة، وذلك مثل توقف أحد الكتاب أو المؤلفين عن الكتابة، بسبب فشله في الانتهاء من أحد الأعمال.
ويكون السبب الظاهر توقف عضلات اليد عن الحركة، إلا أن نفس العضلات تتحرك لكن عند استعمالها في شيء غير الكتابة.
ويمكن أن يصاب المريض باضطرابات في الأكل، كفقدان الشهية العصبي أو الشهية الزائدة، ويعاني كذلك من اضطرابات في المشي، على الرغم من أنه يمشي بشكل طبيعي عندما لا يلاحظه أحد.

المضاعفات تؤدي للوفاة

يتخوف الأطباء من تعرض المصاب بالهستيريا لبعض المضاعفات، ومنها أن تتسبب نوبات الهستيريا العنيفة في أزمات قلبية، نتيجة تسارع ضربات القلب الشديد، وهو ما يمكن أن يكون سببا في الوفاة في بعض الحالات.
ويمكن كذلك أن تحدث سكتة دماغية لمريض الهستيريا، حيث تمنع نوبة المرض الدم من التدفق إلى المخ، أو تكون سببا في حدوث نزيف فيه، وهو الأمر الذي يؤدي إلى توقف عمله وبالتالي حدوث الوفاة.
ويعد من المضاعفات الأكثر انتشارا الإصابة بشلل الأطراف، وربما استمر هذا الشلل فترة مؤقتة، أو أن يصبح شللاً دائماً.

المرض العضوي والهستيريا

يتضح الفرق بين المرض العضوي والهستيريا من خلال إجراء الفحوص الشاملة، والتأكد من أن هذه الأعراض ليست مرتبطة بمرض عضوي، والذي يكون له مواصفات محددة من الناحية التشريحية، وعلى سبيل المثال أن تصاب مجموعة من العضلات بالشلل يغذيها عصب واحد، كما هو الحال في نوبات الصرع العضوية، والتي يتعرض فيها المريض للنوبة بعيدا عن الناس.
ويمكن أن يتعرض بسببها لإصابات أو جروح، أو يعض المصاب لسانه، وتظهر تغيرات في رسم المخ، ويختلف الأمر فـي الصرع الهسـتيري، فالنوبات تحدث بين الناس وفي مكان آمن، ولا يعض المريض لسانه، كما تختفي ردود الفعل الانعكاسية عنده.
ويظهر المرض الهستيري غالبا بعد وقت قصير من ضغوط انفعالية، ويعوق الشخص عن الذهاب إلى مدرسته أو عمله.
ويتحدث المريض الهستيري عن مرضه بشيء من اللامبالاة، وتختلف الأعراض من وقت لآخر، كما لا ترتبط بالجانب التشريحي للأعصاب الحركية والحسية.

نفسي واجتماعي وبيئي

يمكن أن تشفى الهستيريا في بعض الحالات بصورة تلقائية، وخاصة عندما لا تحقق هدفها، ويتضمن العلاج طرقاً متعددة منها العلاج النفسي والاجتماعي والبيئي، والعلاج الطبي للأعراض والإرشاد النفسي للوالدين والمرافقين.
ويتناول العلاج النفسي تركيب الشخصية، وذلك بهدف تطويرها وتنميتها، وربما استخدم الأخصائي النفسي التنويم الإيحائي حتى يزيل الأعراض.
ويستخدم التحليل النفسي حتى يكشف عوامل ظهور الأعراض، والدوافع اللاشعورية وراءها، ويقوم الأخصائي بشرح وافٍ للأسباب والأعراض.
ويفيد أيضا العلاج النفسي التدعيمي في مساعدة المريض لاستعادة ثقته بنفسه، كما يتعلم طرق التوافق النفسي السوي والعيش في واقع الحياة.
ويقوم العلاج الاجتماعي البيئي بتعديل ظروف بيئة المريض المضطربة، والتي يعيش فيها بالضغوط والأخطاء، وذلك حتى تتحسن حالته.
ويستخدم العلاج الطبي للأعراض التنبيه الكهربائي، ويمكن أن يلجأ الأخصائي إلى الاستعانة بدواء نفسي وهمي، ويكون ذا فائدة كبيرة.
وينصح الوالدين والمرافقين كالزوج والزوجة في الإرشاد النفسي بعدم الاهتمام بالمريض أثناء النوبات الهستيرية، وذلك لاعتقاده أن النوبات هي سبب الانتباه إليه.

الرياضة والنظام الغذائي

تشير دراسة حديثة إلى أن ممارسة الرياضة تقلل من أعراض الهستيريا، حيث تأخذ العقل بعيداً عن الذات، مشيرة إلى أن الرياضة تجعل الشخص يشعر بالبهجة.
وتعتبر ممارسة الرياضة في الهواء الطلق بصورة متكررة مفيدة للغاية في علاج الهستيريا، حيث يصبح الجسم لائقاً، ويقوم بالتحكم في مستويات ضغط الدم، وبالتالي لا يتعرض لهجمات الذعر.
وينصح المريض أن يعتمد في علاجه على نظام غذائي من الفاكهة لعدة أيام، وتشمل هذه الفاكهة والعصائر التفاح والعنب والبرتقال والجريب فروت والأناناس.
وتساعد هذه الفواكه في إزالة السموم من الجسم، والعمل على استرخائه بشكل تام، وبالتالي تخفيف الإجهاد العقلي الذي ربما يواجهه المريض.
وينصح كذلك بتجنب المنبهات كالقهوة والشاي، وتجنب التدخين والمواد الكحولية، والمواد الغذائية المصنوعة من السكر الأبيض والدقيق الأبيض، وكذلك المشروبات الغازية التي تحتوي على الكافيين، حيث إنه يزيد مستويات الطاقة بشكل كبير، وينبغي على المريض تعلم كيفية ضبط نفسه.