“الكيت كات” فيلم عن الحياة!

 

سبق فكرة البدء في كتابة هذه السطور تفكيرًا عميقًا حال في النهاية لدون جدوى.. كان تفكيرًا عما يُمكن أن يُقال بعد كل ما قيل، كثيرين تحدثوا وكثيرين مدحوا وكثيرين حاولوا التعبير عن رائعة داوود عبدالسيد – الكيت كات – بكلامٍ مكتوب، لكن هل نجحوا؟! الحقيقة أن لا أحد قد نجح! ، ربما لأنهم غير مؤهلون للحديث عن هذه الكتلة المصمتة من الإبداع والفن والمشاعر والحيوات والشخصيات.. ورُبما لأن قاعدة الكاتب توماس هاردي التي تقول بأن القصة الجيدة لا يمكن تلخيصها قاعدة راسخة لا يُمكن هَدمها.. ربما تكون قصة عشق الكيت كات قصة لا يمكن تلخيصها! السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل سأنجح في التعبير وتلخيص قصة العشق والهيام هذه، أم أن توماس هاردي سيربح نقطة إضافية؟! ..لا أعرف..

البحث عن أسبابٍ محددة لتعلقنا بفيلم الكيت كات هو محض هُراء.. لا توجد أسبابٍ بعينها يمكن الإعتماد عليها أو إعتبارها “الخلطة السحرية” التي أنتجت هذه الحالة من العشق والتعلق بكل تفاصيل الفيلم.. الأمر بعيدًا كل البُعد هنا عن سحرية كاميرا داوود عبدالسيد وخفتها وبساطتها.. فما أكثر المخرجين المتميزون في هذه المنطقة، الأمر بعيدًا أيضًا عن الأداء المُبهر للراحل محمود عبدالعزيز والذي لو لم يصنع دونه خلال مسيرته الفنية كلها فقد كان سيكفي ويزيد.. فكم من ممثل أتقن تقمص شخصيته لدرجة جعلتنا نقسم بالله العظيم “إن ده مش مجرد تمثيل”، الأمر بعيدًا كذلك عن موسيقى أو كما أعتبرها “حالة” راجح داوود التي كانت في أوّج ذروتها، ومدى تعلق أذاننا بها ومدى تعلق مشاهد الفيلم نفسه بها.. إن الأمر أشبه بسيمفونية متكاملة كان المشاهد أو المستمع أهم عناصرها التي لا يمكن فصلها أو الحديث عنها على حد سواء، ولكي تتفهم ما أقصده شاهد مثلًا المشهد الذي كان يجمع الشيخ حسني بأصدقاءه داخل إحدى المحلات في سهرة غنائية كان الكيف هو ممولها الرئيسي ومطربها هو الشيخ حسني نفسه الذي غنى رائعة سيد درويش: يا صهبجية، الأمر بعيدًا عن كل ذلك لأنه ببساطة هناك موزارت وبيتهوفن وهانز زيمر مؤخرًا!

الأمر بعيدًا عن قصة إبراهيم أصلان المأخوذ عنها الفيلم “مالك الحزين” ..فكم من قصة جيدة! المفاجأة هنا أن القصة لا يمكن إعتبارها جيدة أو مقبولة مقارنةً بالفيلم، الأمر الذي يُزيد المعادلة صعوبةً وتعثرًا على الحل.. ببساطة التعامل مع الكيت كات على أنه مجرد فيلم سيُفقده الكثير كما أنه سيفقدنا النجاح في فهمه أو معرفة ما هو سر بقائه حتى الآن.. ربما من المنصف نسبيًا أن نعتبر الكيت كات حياة لا فيلم! نعم هو حياة! حياة عن الوطن وعن النفس البشرية ، حياة البحث عن السعادة، حياة الغوص في التفاصيل والهوامش، حياة عن فلسفة الموت، حياة عن صراع الأجيال، حياة الأبوة وحياة الرضا، حياة الفن والموسيقى والإبداع، حياة عن الفلسفة.. بإختصار حياة عن الحياة! كانت لحياة (الكيت كات) عدة جوانب وعدة مميزات جعلتها تختلف عن بقية الحيوات الموجودة وبكثرة..

  1. البطل هو آخر ما يمكن إعتباره بطلًا.. مهلًا لا توجد أية أبطال!
    أنت هنا أمام حياة للمُهمشين من قِبل المهَمشين أنفسهم.. أنت أمام شيخٌ ضرير وليس سوبر مان! ،أمام رجلًا يبحث عن ذاته رغم ظروف عدة محيطة تبعث له بين الحين والآخر برسالة مفادها: الحياة عديمة الجدوى!، له فلسفته الخاصة ووجهة نظره الذي لم يفقده الزمن إيمانه بها: السعادة موجودة رغم كل شيء ولا تستلزم مشقة البحث عنها، ربما السعادة في تدخين قطعة حشيش وترديد لبعض أغاني سيد درويش، وربما هى في خداع شخص ضرير آخر، وربما هى في ركوب الفسبة والسير بأقصى سرعة وفي إتجاهات عشوائية بالقدر الذي يسمح به العمّى، مُسببات السعادة كثيرة ومتعددة، لكنها موجودة بالنسبة للشيخ حسني وهذا يكفي.. ثم أنت أمام الهرم بائع الحشيش وليس والتر وايت ( بطل مسلسل بريكينج باد) أنت أمام تاجر للحشيش محدود الذكاء، لكنه يملك منه ما يكفي لأن يجعله يخدع الحكومة عدة مرات بل ويستمر في خداعهم.. أنت أمام رجلًا ينبذه الجميع لكنه يحب ذاته وهذا هو المطلوب.. أمام رجلًا يضرب بالأخلاق والقيم عرض الحائط ويعرف جيدًا أن هذا خطأ شنيع لكنه ينكر! أنت أمام شابًا ضمن الألاف من نفس نوعه.. ذو ظروفٍ عادية وتعليمٍ عادي وثقافة عادية، شاب يملك من الأحلام ما هو عادي، لكنك رغم ذلك تعيش تلك الأحلام مع يوسف.. تحلمها معه وتتمنى لو حققها.. لماذا؟! ..لسببٍ غير معروف! وعلى هذا المنوال كانت جميع شخصيات الكيت كات.. شخصيات مهمشة وعادية.. لا يملكون قدرات خارقة أو مغامرات درامية معقدة، هم فقط أناس عاديين ظهروا في غفلة من أمرهم أمام كاميرا داوود عبدالسيد!
  2. الجميع ليسوا ملائكة!
    ربما يكون هذا هو أهم جوانب حياة ” الكيت كات ” وأوتارها التي كان اللعب عليها موفقًا وبشدة.. في حياة “الكيت كات” أنت غير ملزم بإلقاء عظة أو درس لأنك غير مؤهل لذلك.. أنت مش عم مجاهد يعني! الجميع في حياة الكيت كات يخطيء ويصيب، الجميع يعرف عيوبه جيدًا ويمتاز بجلد الذات الدائم الذي يذكره بين الحين والآخر بأنه لم يرقى بعد لدرجة محاسبة الغير ،فالشيخ حسني لم يُبكّت يوسف حينما علم بأمر علاقته مع فاطمة مثلًا، لكنه صدق أو لا تصدق أدان عدم كونه رجلًا معها!
  3. المكان أهم من الجميع.. وربما الوطن كذلك!
    “صباح الخير يا عم مجاهد.. إيه؟! أنت لسه بردو زعلان مني؟! يا عم مجاهد أنت ظالمني ورحمة أبويا أنت ظالمني.. أنت عارف المعلم عطية كان بيدفع كام إيجار للقهوة كل شهر!! ..5 جنيه و60 قرش ،وإيجار الشقة بيروح للمية والمرتب، عملت توكيل لأمي تقبضه كل أول شهر علشان مصروف البيت، وبعد ما ماتت أم يوسف مبقاش عندي حتى بني آدم أكلمه.. أنا بكلم الناس حوالين الجوزة.. وأفضفض.. وأضحك.. وأغني في قعدة حلوة لغاية ما أموت! بيت إيه اللي أنت بنيته مع أبويا طوبة طوبة! كنت فين أنت يا عم مجاهد! قدرت تعمل إيه لما مرات أبويا خدت الشقة وإديتها لولادها! عملت إيه.. الحكاية مش حكاية البيت يا عم مجاهد.. المشكلة مشكلة الناس اللي عايشة ولازم تعيش! متلظمنيش يا عم مجاهد!”

ربما هذا هو التلخيص الأمثل لفكرة التخلي عن المكان بكل ما فيها من حزن وشجن وحنين.. التخلي لا يغلب التعلق أبدًا وهذا ما أثبتته حياة الكيت كات.. فالمكان يعيش بنا كما نعيش داخله.. داخل الجميع يوجد بيت ويوجد كيت كات.. ويوجد وطن مهما إن كانت الظروف لا يٌمكن التخلي عنه! هكذا كانت المعادلة من وجهة نظري: أربط إبداعك بالمكان.. فالجميع يرتبط بالأماكن ما يجعل الجميع يرتبط بإبداعك!

  1. تظبيط الشغل أهم من الشغل نفسه!
    كان للتظبيط دورًا هامًا وأساسيًا في بقاء حياة الكيت كات.. إبتداع عبد السيد لكثيرٍ من الجمل والإيفيهات وربما الإسكتشات إذا صح التعبير كان عاملًا هامًا لخلود الفيلم.. لا أحد يستطيع أن ينسى مثلًا “بتستعماني يا هرم” أو “هى اليافطة مش مايلة شوية”، ولا أحد يستطيع تخيل “صح بس هنكر” بنبرة صوت أخرى دون صوت الهرم، ولا أحد كذلك يستطيع أن يشاهد مشهد السينما الذي كان يشرح فيه الشيخ حسني ما يحدث بالشاشة للشيخ الأعمى الذي أدى دوره الفنان علي حسنين دون أن يمنع نفسه من الضحك، حتى ولو كان المشهد مجتزءًا من الفيلم وتم التعامل معه على أنه إسكتش ما منفصل فستضحك أيضًا!
  2. الرحلة هي كل ما يهم!

ربما نحن لم نرى حياة الشيخ حسني كاملة.. لم نعرف ما هو مصير يوسف، ولم نعيش كفاية مع عم مجاهد لكننا وبلغة التجارة قد أخذنا فكرة.. أخذنا فكرة عن رحلة الجميع وعرفنا أن الوصول لغاية محددة أمرُ غير مقترن بالسعادة مع يوسف ،وأن اللا وصول لأي شيء في سبيل الإستمتاع فقط هو ما يهم مع الشيخ حسني.. جميعنا يملك مباديء الشخصيتين ودوافعهما معًا.. لكن لمن ستقرر منح دريكسيون الفسبة لينطلق بها في الهواء الطلق هذا هو المهم! ربط الفيلم بأهم معادلات الحياة؛ معادلة البحث عن السعادة.. جعل منه مرجعًا ممتازًا لكل باحث عنها أو بإختصار للجميع.. فلا يوجد أحد لا يبحث عن السعادة!


ربما حان الآن أن أسأل نفسي: هل أجدت تلخيص قصة العشق أم أن توماس هاردي أثبت جدارته مجددًا؟! الحقيقة أنني لم أنجح ولو بالتعبير عن رُبع حياة الكيت كات أو الحالة التي تعتريني كلما شاهدتُ هذه الرائعة البصرية.. لم أنجح حتى في إيجاد وصفٍ مناسب لها لكنني وعلى أية حال أعرف ذلك جيدًا.. أعرف أنه صح.. بس هنكر.

%d مدونون معجبون بهذه: